أحمد بن علي القلقشندي
85
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
ما تقتضيه الحال ، ويحتمله المقال ، بل ربّما ولَّي بعض المناصب من فيه صفات تستحق ألقابا ونعوتا خاصّة ، فيكتب له بذلك مراعاة لما يقتضيه حاله ، ويستوجبه مقامه ، ثم يلي ذلك المنصب بعده من لا يستحق الوصف بالألقاب والنّعوت التي تخصّ المتقدّم ، فيؤتى بها للثاني : كما اتّفق فيما كتب به في نيابة الشام حين وليها الأمير بيدمر الخوارزميّ ( 1 ) رحمه اللَّه ، وكان من الدّيانة على ما لا يوجد في غيره ؛ فكتب في ألقابه حينئذ : العابديّ ، الناسكيّ ، الخاشعيّ ، فلزمت فيمن بعده وصارت مما يكتب به إلى الآن ، سواء اتصف نائبها بدين أم لا - وكما اتفق في الصاحب علم الدّين بن زنبور حين اجتمع له الوزارة ونظر الخاصّ والجيش ، فكتب له بألقاب ونعوت جامعة لألقاب تلك الوظائف ونعوتها ، فاستمرّ ذلك فيما يكتب به لكلّ من ولي الوزارة بعده إلى الآن ؛ حتّى إنه يكتب في ألقاب الوزير الآن « مرتّب الجيوش » وهو الألقاب الخاصّة بناظر الجيش استطرادا لما كتب به لابن زنبور : لانضمام نظر الجيش إليه على ما تقدّم - وكما اتّفق فيما كتب به للشيخ تقيّ الدين السّبكي ( 2 ) من الألقاب الجليلة المقدار ، الرفيعة المكانة ، في قضاء الشام لرفعة مقامه ، واتّساع باعه في العلم ، وعلوّ مكانته في الخاصّة والعامّة فلزم كتابة ذلك لقاضي قضاة الشافعية بالديار المصرية ، من حيث إنه لا يليق بالحال أن يكون قاضي الشام أعلى رتبة من قاضي الدّيار المصرية . ثم سرى ذلك في كل من ولي المنصب بعد ذلك ، وهلمّ جرّا إلى زماننا . ومما يلتحق بذلك أنه قد جرت العادة في الزمن المتقدّم وهلمّ جرّا إلى
--> ( 1 ) هو سيف الدين ، بيدمر الخوارزمي . كان نائب السلطنة على الشام من سنة 1360 م إلى سنة 1386 م . ( منطلق تاريخ لبنان : 146 ) . ( 2 ) هو علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام السّبكي الأنصاري . شيخ الإسلام في عصره ؛ وهو والد التاج السّبكي صاحب الطبقات . ولد في سبك ( من أعمال المنوفية بمصر ) وولي قضاء الشام سنة 739 ه . توفي بالقاهرة سنة 756 ه . ( انظر الأعلام : 4 / 302 ) .